رسالة في أزقة شفشاون

 



كانت مدينة "شفشاون" تغفو تحت رداء من الضباب الأزرق، حيث تتشابك الأزقة كأنها خيوط في ثوب قديم. في تلك الأزقة، كان "إدريس" يعمل خياطاً، يقضي يومه محاطاً بلفائف الحرير والأقمشة الملونة، لكن قلبه كان يحمل لوناً واحداً فقط: لون عيني "ليلى".

لم تكن ليلى مجرد فتاة تمر من أمام دكانه كل صباح؛ كانت بالنسبة إليه قصيدة لم يكتبها أحد بعد. كانت ابنة بائع الكتب العتيقة في نهاية الزقاق، وكان يراقبها وهي تمسح الغبار عن أغلفتها المذهبة، متمنياً لو يمتلك الجرأة ليدعوها إلى كوب شاي تحت سماء المدينة التي لا تنام.

مرت الأيام، وكان وسيلتهما الوحيدة للحديث هي "الإيماءات". ابتسامة خجولة منها عند الفجر، وإيماءة بالرأس منه عند الغروب. لم يتبادلا كلمة واحدة، لكنهما تبادلا آلاف المعاني.

في أحد أيام الخريف، حين كانت الرياح تعزف ألحانها على أبواب المدينة الخشبية، لاحظ إدريس أن ليلى لم تظهر. انتظرها يوماً، ثم يومين. في اليوم الثالث، أغلق دكانه وذهب إلى مكتبة والدها. وجد الرجل العجوز يلملم أوراقه، فسأله بصوت مرتجف عن غيابها.

تنفس العجوز بعمق وقال: "لقد سافرت يا بني، إلى مدينة بعيدة لتتعلم فن الترميم. تركت لي رسالة، وقالت لي إن سلمتُها إلى صاحب محل الخياطة، سأعرف أنني فعلتُ الصواب".

ناول العجوزُ إدريسَ ظرفاً صغيراً. فتح إدريس الرسالة بيده التي كانت ترتجف أكثر من المعتاد. لم تكن هناك كلمات طويلة، بل كانت ورقة صغيرة عليها رسم ليده وهو يمسك بالإبرة، وتحتها جملة واحدة: "لقد خاطت يداك أثواباً لكل الناس، فمتى تخيط قلبي بقلبك؟"

ابتسم إدريس والدموع تترقرق في عينيه. لم تكن المسافات هي التي تفصل بينهما، بل كان الخوف. أدرك في تلك اللحظة أن الحب لا يحتاج إلى وعود كبيرة، بل إلى شجاعة أن نكون حاضرين حين يطرق القلب أبوابه.

قرر إدريس أن يجمع حقيبته، وأن يرحل إلى حيث تكون، ليس ليحلم بها فقط، بل ليبدأ معها فصلاً جديداً، حيث تكون الكلمات هي الخيوط، والحياة هي الثوب الذي ينسجانه معاً، غرزةً بغرزة، حباً بحب.


أحدث أقدم